أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في شيعة ويب، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .

كيف تَطوَّر فقه أهل البيت عليهم ‏السلام - شيعة ويب

كيف تَطوَّر فقه أهل البيت عليهم ‏السلام الفقه لغة وإصطلاحا مدرسة النصّ ومدرسة الرأى مصادر التشريع فى فقه أهل البيت عليهم‏السلام مستندات حقّانيَّة ..

تَطوَّر,البيت,عليهم,‏السلام,keyword


بإمكان جميع الزوار المشاركة في المنتدى وكتابة المواضيع والردود من دون تسجيل





اضافة رد جديد اضافة موضوع جديد

27-11-2017 05:51 مساء
السيد حُسيـن الموسـوي
menu_open
عضو
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 13-11-2017
رقم العضوية : 7
المشاركات : 184
الجنس : ذكر
يتابعهم : 7
يتابعونه : 4
قوة السمعة : 10
 offline 

كيف تَطوَّر فقه أهل البيت عليهم ‏السلام
 
الفقه لغة وإصطلاحا
مدرسة النصّ ومدرسة الرأى
مصادر التشريع فى فقه أهل البيت عليهم‏السلام
مستندات حقّانيَّة مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام
الأدوار الثلاثة لفقه أهل البيت عليهم‏السلام
 
الفقه لغةً واصطلاحا
الفقه لغة: الفهم و العلم. و لعلّ منه قوله تعالي: قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا ممّا تَقول().
 
واصطلاحا عبارة عن: مجموع الأحكام الشرعيّة الفرعيّة. و لعلّ منه قوله تعالي: فلولا نفر من كلِّ فرقةٍ منهم طائفة ليتفقَّهوا فى الدين وليُنذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يحذرون () و قوله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله: (من يُرِد اللّه‏ به خيرا يفقّهه فى الدين)()، فإنّ التفقّه فى الدين إذا لم يرد منه خصوص العلم بالأحكام الشرعيّة فلاأقلّ من شمول إطلاقه لها.
 
وأمّا الاجتهاد، فكان يطلق سابقا على إعمال الرأى والظنون. وهو اليوم بمعنى الاستنباط والقدرة على تحصيل الأحكام من مصادرها الأصلية الآتية.
 
ومنه يتَّضح أنَّ تعريف الفقه بـ (العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية)() تعريف للاجتهاد دونه.
 
مدرسة النصّ و مدرسة الرأى
يلتحق الرسول الأعظم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله بالرفيق الأعلى بعد إكمال رسالته الخالدة بشهادة القرآن الكريم: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيتُ لكم الإسلام ديناً () وتبرز إثر ذلك مدرستان: (مدرسة النصّ) و (مدرسة الرأى).
 
و نعنى بالمدرسة الاُولي، مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام المتمثّلة بشخص رئيسها امير المؤمنين عليه‏السلام ومن بعده الذرّيَّة الطاهرة من ولده عليهم‏السلام.
 
والطابع اللائح على هذه المدرسة اعتمادها فى مصادر التشريع على الكتاب والسنَّة لاغير. وحركة الاجتهاد لديها تتحرّك داخل حدود المصدرين المذكورين.
 
وتنطلق هذه المدرسة فى اقتصارها على المصدرين المذكورين على فكرة وفاء القرآن الكريم وسنَّة الرسول الأعظم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله بكلِّ ما يحتاج اليه المسلمون من أحكام. فالرسول صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قد أودع من السنَّة الشريفة لدى امير المؤمنين والذرّيَّة الطاهرة عليهم‏السلام من ولده ما يغنى المسلمين عن الحاجة إلى الإعتماد على غير النصّ.
 
ونعنى بالمدرسة الثانية مدرسة الخلفاء بشخص رئيسها الخليفة الثانى والتى امتدَّت من بعده وبلغت أوجها على يد إمام الأحناف أبى حنيفة إلى حدِّ كان يخالف النصّ لأجل الرأى والاستحسان، فقد روى الخطيب البغدادى فى تاريخه إنَّ أباحنيفة كان يقول: (لو ادركنى رسول الله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله وأدركته، لأخذ بكثير من قولى وهل الدين إلاّ الرأى الحسن)().
 
وتعتمد هذه المدرسة فى مصادر التشريع إضافة إلى الكتاب والسنَّة على الرأي. وحركة الاجتهاد لديها لاتقتصر على داخل حدود النصّ بل تتعدّاه إلى خارجه وتجتهد وفق الرأى والاستحسان أيضاً.
 
وتنطلق المدرسة المذكورة فى عقيدتها هذه من فكرتها الخاصّة حول الكتاب والسنَّة الشريفين وانَّهما غير وافيين بما يحتاج اليه المسلمون من أحكام.
 
وقد برزت جذور هذه المدرسة فى عهد النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله والسِنى الاُولى من عصر الرسالة، فكان النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله وهو الذى لاينطق عن الهوى يقول شيئا وجذور المدرسة المذكورة تحكّم رأيها واجتهادها فى مقابل النصّ.
 
وعلى سبيل المثال كان النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله يأمر بكتابة سنَّته والمدرسة تمنع، ففى حديث عبداللّه‏ بن عمرو بن العاص:
 
(كنت اكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فنهتنى قريش وقالوا تكتب كلَّ شيء سمعته من رسول الله صلي ‏الله‏ عليه‏ و‏آله ورسول اللّه‏ بشرٌ يتكلّم فى الغضب و الرضا؟ فامسكتُ عن الكتابة فذكرتُ ذلك لرسول اللّه‏ فأَومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اُكتُب فو الّذى نفسى بيده ما خرج منه إلاّ حق)().
 
وأمَرَ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فى اُخريات حياته بإحضار كتاب يكتب لهم فيه ما لا يضلّون بعده أبدا فامتنعت المدرسة وقال بعض رجالها فى حق النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قد غلبه الوجع. وقد حدّثنا البخارى فى صحيحه عن ابن عباس:
 
(لما حُضر النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله وفى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هَلمَّ اكتب لكم كتابا لن تَضلّوا بعده، قال عمر: إنَّ النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله غلبه الوجع وعندكم كتاب اللّه‏ فحسبنا كتاب اللّه‏، واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أَكثروا اللغط والاختلاف، قال: قوموا عنّى ولا ينبغى عندى التنازُع)().
 
و ينقل البخارى فى موضع آخر من صحيحه انّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قال: (آتونى بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا، فقالوا: يَهجُر رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله )().
 
و يأمر النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله بتنفيذ جيش أسامة ويجتهد آخرون فى مخالفته. يقول الشهرستاني: (والخلاف الثانى فى مرضه انّه قال: (جهّزوا جيش أسامة، لعن اللّه‏ من تخلَّف عنه) فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة. وقال قوم: قد اشتدَّ مرض النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فلا تسع قلوبنا مفارقته والحال هذه فنصبر حتى نبصر ايّ شيءٍ يكون من أمره).()
 
يقول احمد امين: (نقل عن كثير من كبار الصحابة قضايا، أفتوا فيها برأيهم كأبى بكر وعمر و زيد بن ثابت... وكان حامل لواء هذه المدرسة أو هذا المذهب فيما نرى عمر بن الخطاب)().
 
لماذا الحاجة إلى مصدر ثالث
إنَّ بروز فكرة الاعتماد على الرأى كمصدر ثالث للتشريع فى عهد الرسول الأعظم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله والسِنى الاولى من رحيله إلى الرفيق الأعلى له أسبابه السياسية الخاصة المعروفة، ولكن لِمَ أخذت الفكرة المذكورة بالاختمار أكثر حتى بلغت أوجها على يد إمام الحنفية النعمان بن الثابت؟ ذلك يعود إلى المنع من تدوين سنَّة الرسول الاعظم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله على يد الخلفاء واستمرارا على يد معاوية وحتى خلافة عمر بن عبدالعزيز الّذى حاول رفع الحصار حيث أمر ابن‏شهاب الزهرى بتدوين الحديث().
 
ويحدث الذهبى أنَّ الخليفة الأوَّل جمع الناس بعد وفاة النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قائلاً: (إنّكم تُحدِّثون عن رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلاتحدثوا عن رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله شيئاً، فمن سألكم، فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه فاستحِلّوا حلاله وحرِّموا حرامه)().
 
ويروى الذهبى أيضاً أنَّ الخليفة الثانى حبس ابن مسعود و أبا الدرداء و أبا مسعود الأنصاري، قائلاً لهم: (أكثرتم الحديث عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله )(). و كان يقول أيضاً للصحابة: (اقلّوا الرواية عن رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله إلاّ فيما يعمل به)().
 
وفى عهد الخليفة الثالث أعلن على المنبر: (لا يحلّ لأحد يروى حديثا لم يسمع به فى عهد أبى بكر و لا فى عهد عمر)().
 
وفى عهد معاوية برزت ظاهرة جديدة وهى الحثّ على اختلاق أحاديث فى فضائل الخلفاء. يقول الطبري: (إنَّ معاوية لمّا استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين وامّره عليها دعاه وقال له: (قد أردت ايصاءك بأشياء كثيرةٍ، أنا تاركها إعتمادا على بصرك ولست تاركا ايصاءك بخصلة: لا تترك شتم عليّ وذمّه واكثر الترحم على عثمان والاستغفار له والعيب لأصحاب عليّ والإقصاء لهم والإطراء لشيعة عثمان والادناء لهم. فقال له المغيرة: قد جَرَّبتَ وجُرِّبتُ وعملتُ قبلك لغيرك، فلم يذممنى وستبلو فتَحمِد أو تذمّّ فقال: بل نَحمِد إن شاء اللّه&rlmwink_3().
 
هذا فى مدرسة الرأى والعكس تماما نجده فى مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام فالإمام الصادق عليه‏السلام يقول: (اكتبوا فانّكم لاتحفظون حتى تكتبوا)() و (احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون اليها)() و (اعرفوا منازل الناس على قدر رواياتهم عنّا)().
 
مناقشة أهل البيت عليهم‏السلام لمدرسة الرأى
وللإمام الصادق عليه‏السلام مناقشات متعددة ودقيقة لمدرسة الرأي. ففى يوم قال لأبي حنيفة: (أيّما أعظم عند اللّه‏ القتل أو الزنا؟ قال: بل القتل، فقال عليه‏السلام: فكيف رضى فى القتل بشاهدين و لم‏يرض فى الزنا إلاّ بأربعة؟ ثمّ قال له: الصلاة أفضل أم الصيام؟ قال: بل الصلاة أفضل، قال عليه‏السلام: فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة فى حال حيضها دون الصيام و قد أوجب اللّه‏ عليها قضاء الصوم دون الصلاة. ثمّ قال له: البول أقذر أم المني؟ فقال: البول أقذر، فقال: يجب على قياسك أن يجب الغُسل من البول دون المنى و قد أوجب اللّه‏ تعالى الغُسل من المنى دون البول... إلى أن قال عليه‏السلام: تزعم انّك تفتى بكتاب اللّه‏ ولست ممن ورثه وتزعم انّك صاحب قياس و اوّل من قاس إبليس و لم يُبْنَ دين اللّه‏ على القياس)().
 
اَوَ ليس من الحق بعد هذا أن يقول الإمام الصادق عليه‏السلام فى حق الحكم بن عتيبة: (فليشرِّق الحَكَمُ وليغرِّب، أما واللّه‏ لايصيب العلم إلاّ من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل)().
 
أهل البيت امتداد لسنَّة الرسول صلي‏الله‏عليه‏و‏آله
هناك سؤال يخطر إلى الذهن: كيف اكتفت مدرسة أهل البيت بسنّة الرسول صلي‏الله‏عليه‏و‏آله والحال انّ أغلب الأئمة الطاهرين من ذريّته لم يعاصروه؟
 
فى هذا المجال يمكن أن يجاب بأنَّ أهل البيت عليهم‏السلام قد توارثوا ما عند جدِّهم الرسول الاعظم صلي‏الله‏عليه‏و‏آله من علوم وكانوا يتناقلون ذلك فيما بينهم صدرا عن صدر فكان لديهم:
 
أ- كتاب عليّ الّذى هو من إملاء رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و خط أمير المؤمنين عليه‏السلام، فعن عذافر الصيرفي: (كنت مع الحَكَم بن عتيبة عند أبى جعفر الباقر عليه‏السلام فجعل يسأله الحَكَم وكان أبوجعفر له مُكرِما، فاختلفا فى شيء، فقال أبوجعفر: يا بُنيّ! قم فأخرِج كتاب على عليه‏السلام فأخرَج كتابا مدرجا عظيما، ففتحه وجعل ينظر فيه حتى أخرج المسألة، فقال أبوجعفر عليه‏السلام: هذا خطّ عليّ و إملاء رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله. وأقبل على الحكم وقال: يا أبامحمد! اذهب أنت وسلمة و أبوالمقدام حيث شئتم يمينا وشمالاً، فواللّه‏ لاتجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل)().
 
ب- والجامعة، ففى صحيحة أبى بصير: (دخلت على أبى عبداللّه‏ عليه‏السلام فقلت له: جعلت فداك إنّى أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبداللّه‏ عليه‏السلام سترا بينه و بين بيت آخر، فاطلع فيه، ثمّ قال: يا أبا محمد! سلْ عمّا بدا لك. قال قلت: جعلت فداك إنَّ شيعتك يتحدّثون أنَّ رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله علّم عليّا عليه‏السلام باباً يفتح له منه ألف باب، قال: فقال: يا أبامحمد! علّم رسول اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله عليّا عليه‏السلام ألف باب يفتح من كلّ باب ألف باب. قال: قلت: هذا واللّه العلم، قال: فنكت ساعة فى الأرض، ثمّ قال: إنّه لعلم وما هو بذاك.
 
ثمّ قال: يا أبامحمد! و إنّ عندنا الجامعة و ما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك و ما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و إملائه من فلق فيه و خطّ عليّ بيمينه، فيها كلّ حلال و حرام و كلّ شيء يحتاج الناس اليه حتى الأرش فى الخدش و ضرب بيده إليّ فقال: تأذن لى يا أبامحمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنّما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزنى بيده و قال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب...)().
 
ج- و الجفر، و قد أشار اليه الإمام الصادق عليه‏السلام فى الصحيحة المتقدمّة بقوله: (و إنَّ عندنا الجفر و ما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: و ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيّين و الوصيّين و علم العلماء الّذين مضوا من بنى اسرائيل...)().
 
د- ومصحف فاطمة عليهاالسلام، و قد أشارت له صحيحة أبيعبيدة حينما سأل بعض الأصحاب الإمام الصادق عليه‏السلام عنه، فقال عليه‏السلام: (إنَّكم لتبحثون عمّا تريدون و عمّا لاتريدون. إنَّ فاطمة مكثت بعد رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله خمسة وسبعين يوما وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل عليه‏السلام يأتيها، فيحسن عزائها على أبيها و يطيّب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانه و يخبرها بما يكون بعدها فى ذرّيَّتها وكان على عليه‏السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليهاالسلام )().
 
هذا كلّه، بالإضافة إلى الوسائل الغيبية الّتى كان يزوّد اللّه تبارك و تعالى بها أئمّة أهل‏البيت عليهم‏السلام بما يشاء من العلم، ففى غير واحد من الأخبار: لولا أنّهم عليهم‏السلام يزدادون لنفد ما عندهم(). كما أنّ فى غير واحد من الأخبار أيضاً: إذا أراد الإمام أن‏يعلم شيئاً أعلمه اللّه ذلك().
 
و بهذا يتَّضح الجواب عن تساؤل آخر و هو: كيف يحصل العلم للأئمّة من أهل‏البيت عليهم‏السلام وكيف يتداولونه؟ إنَّ الوسيلة المهمّة لذلك بالإضافة إلى الوسائل الغيبية هى تداول الكتب السابقة. وفى حديث سليم بن قيس: (شهدت وصيّة أميرالمؤمنين عليه‏السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن عليه‏السلام و اشهد على وصيَّته الحسين عليه‏السلام ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثمّ دفع إليه الكتاب و السلاح و قال لإبنه الحسن عليه‏السلام: يا بُنيّ! أمرنى رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله أن اُوصى إليك و أن ادفع اليك كتبى وسلاحى كما أوصى إليّ رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و دفع إليّ كتبه و سلاحه و أمرنى أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين عليه‏السلام. ثم أقبل على ابنه الحسين عليه‏السلام فقال: وأمرك رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله أن تدفعها إلى ابنك هذا ثمّ أخذ بيد على بن الحسين عليه‏السلام، ثمّ قال لعلى بن الحسين: و أمرك رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله أن تدفعها إلى ابنك محمد بن على و أقرأه من رسول‏اللّه‏ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله و منّى السلام)().
 
مصادر التشريع فى فقه أهل البيت عليهم‏السلام
وقد تجلّى ممّا سبق أنَّ مصادر التشريع التى يمكن الاستناد اليها فى فقه أهل البيت عليهم‏السلام إثنان: (الكتاب الكريم) و (السنَّة الشريفة).
 
وأمّا الإجماع، فعدُّه مصدرا مستقلاً مبنيّ على المسامحة، لأنّه بما هو إجماع و من دون كاشفيّته عن موافقة المعصوم عليه‏السلام ليست له قيمة فى نظرنا، و لانسلم بالمقالة القائلة: (لا تجتمع اُمتى على ضلال). فالقيمة على هذا الأساس للسنّة، أى لرأى المعصوم عليه‏السلام المنكشف بالإجماع، و دور الإجماع ليس إلاّ دور الكاشف عن السنّة.
 
وأمّا العقل، فليس له حقّ التشريع ولا معنى لأن يحصل له القطع بحرمة شيء أو وجوبه، إذ ليس له طريق لإدراك ملاكات الأحكام. أجل يمكن أن يحصل له القطع فى موردين:
 
أ- باب الملازمة، كأن يقطع بالملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدمته أو حرمة ضدّه. ومتعلّق القطع فى هذا هو الملازمة دون الحكم. وبضمّ القطع المذكور إلى حكم الشارع بوجوب شي‏ء معيّن يستكشف أنّ الشارع قد حكم بوجوب المقدّمة أو حرمة الضدّ.
 
ب- الأحكام البديهيّة الواضحة كوجوب العدل وحرمة الظلم مثلاً، ولكن فى هذين الحكمين وما شابههما توجد أدلة شرعيّة تدلّ على ذلك و لايكون عدُّ العقل مصدرا من مصادر التشريع بعد هذا قضيّةً فنّية.
 
ونؤكّد: إنّ دور العقل فى الموردين المذكورين- الملازمة و الأحكام البديهيّة- دور المدرك و المستكشف دون المؤسّس والحاكم، إذ ليس من حقّه ذلك.
 
و إذا سألت عن السيرة هلاّ يصلح عدُّها مصدرا من مصادر التشريع؟ كلاّ لايمكن ذلك، لأنّ حجيّتها تنبع من كاشفيّتها عن رأى المعصوم عليه‏السلام الّذى هو السنّة وإلاّ فهى لا قيمة لها.
 
أمّا كيف تكشف السيرة عن موافقة المعصوم عليه‏السلام؟ذلك لأنّها إذا كانت عقلائية ومعاصرة لزمن المعصوم عليه‏السلام فعدم الردع عنها يدلّ على امضائها، وإذا كانت متشرعية ومتصلة بزمن المعصوم عليه‏السلام فهى تكشف مباشرة عن موافقته وإلاّ لم تكن سيرة متشرعة().
 
وأمّا الاستصحاب وبقية الاُصول العملية، فهى قواعد عامّة مستفادة من السنّة وليست شيئا مستقلاً فى مقابلها.

مستندات حقّانيّة مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام
وقد يخطر للذهن التساؤل عن الوجه فى حقّانيّة مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام وبالأحري: ما هو الوجه فى حجية حكم الإمام الصادق عليه‏السلام و غيره من أئمة أهل البيت عليهم‏السلام حينما يحصل ذلك منهم فى مختلف القضايا الفقهيّه؟ المستندات كثيرة نشير إلى بعضها باختصار.
 
1- آية التطهير: إنّما يُريدُ اللّه‏ ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويُطهِّركُم تطهيراً ()، فإنَّ المراد من أهل‏البيت أصحاب الكساء الخمسة: محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين- صلوات اللّه و سلامه عليهم- فقد ذكر الهيثمى فى صواعقه أنّ: (اكثر المفسّرين على أنَّها نزلت فى على و فاطمة و الحسن و الحسين لتذكير ضمير- عنكم- و ما بعده)().
 
وإذا رجعنا إلى الروايات المفسّرة للآية الكريمة وجدنا انّها تُفَسِّر أهل‏البيت باصحاب الكساء الخمسة و أنّ عددها من غير الشيعة أكثر ممّا ورد من طرقهم.
 
و كمثال لذلك: روى احمد فى مسنده عن امّ سلمة: (أنَّ النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله كان فى بيتها، فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة، فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعى زوجك و ابنيك، قالت: فجاء على و الحسن و الحسين، فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو على منامة له على دكان() تحته كساء له خيبري. قالت: و أنا اُصلّى فى الحجرة، فأنزل اللّه هذه الآية إنّما يُريدُ اللّه ليُذهبَ عنكم الرجس أهل البيت و يُطهِّركم تطهيراً قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به، ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء، ثمّ قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتى و خاصَّتى فأذهِب عنهم الرجس و طَهِّرهم تطهيراً. قالت: فأدخلت رأسى البيت فقلت: و أنا معكم يا رسول‏اللّه؟ قال: إنَّكِ إلى خير، إنَّكِ إلى خير)().
 
2- حديث الثقلين: الصادر من النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فى مواطن متعدّدة و بأسانيد متعدّدة من غير الشيعة.
 
و على سبيل المثال روى الحاكم النيسابورى باسناده عن زيد بن أرقم: (لمّا رجع رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله من حَجَّة الوداع و نزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، فقال: كأنى قد دُعيت فاجبت. إنّى قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه تعالى و عترتي، فانظروا كيف تخلفونى فيها، فانَّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض. ثمّ قال: إنَّ اللّه عزّوجل مولاى و أنا مولى كلّ مؤمن. ثم أخذ بيد على- رض- فقال صلي‏الله‏عليه‏و‏آله: من كنت مولاه فهذا وليه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه)().
 
و الحديث يستفاد منه اعلميّة أهل البيت عليهم‏السلام بالكتاب الكريم من غيرهم لقرنهم به، وإنَّ التمسك بالكتاب والعترة يمنع من الوقوع فى الضلالة، و إنَّ الابتعاد عنهم والتقدّم عليهم حرام، لأنّه يوقع فى الهلاك، وهذا يعنى بعبارة ثانية حصر الإمامة فيهم. كما و يستفاد منه رابعا عدم انحراف العترة يوما ما عن الكتاب الكريم بل ذلك باقٍ إلى يوم القيامة.
 
3- حديث‏السفينة: المروى بطرق‏متعددة. وكمثال عليذلك: ذكرابن‏حجرالهيثمي: (جاء من طرق عديدة يقوّى بعضها بعضا: إنّما مثل أهل بيتى فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا. وفى رواية مسلم: ومن تخلّف عنها غرق...).() والدلالة واضحة.
 
4- حديث الأمان: المروى بطرق متعدّدة أيضا. وكمثال على ذلك: روى الحاكم النيسابورى عن ابن عباس أنَّ رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله قال: (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتى أمان لأمّتى من الاختلاف، فاذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس).() والدلالة واضحة.
 
5- حديث الاثنى عشر: المروى بطرق متعدّدة أيضاً. و كمثال على ذلك: روى مسلم فى صحيحه عن جابر بن سمرة: (دخلت مع أبى على النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فسمعته يقول: إنّ هذا الأمر لاينقضى حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة. ثمّ تكلّم بكلام خَفِيَ عليَّ. قال فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش). و قد رواه بسبع طرق.()
 
و دلالة الحديث واضحة حيث لايلتئم مضمونه إلاّ على مبنى الإماميَّة.
 
 


27-11-2017 05:51 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
السيد حُسيـن الموسـوي
menu_open
عضو
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 13-11-2017
رقم العضوية : 7
المشاركات : 184
الجنس : ذكر
يتابعهم : 7
يتابعونه : 4
قوة السمعة : 10
 offline 
look/images/icons/i1.gif كيف تَطوَّر فقه أهل البيت عليهم ‏السلام

الأدوار الثلاثة لفقه أهل البيت عليهم‏السلام
و النقطة المهمة فى هذا البحث ملاحظة ما مرّ به فقه أهل البيت عليهم‏السلام من أدوار و يمكن أن نعدّها ثلاثة، ملاحظين فى تقسيمنا لذلك الظواهر البارزة لما مرّ به الفقه فى كلّ دور.
 
* الدور الأوّل:
وهو دور الرواة من صحابة الائمة عليهم‏السلام- ويبتدأ من الايّام الاولى للتشريع الاسلامى وحتى بداية الغيبة الصغرى سنه 260 ه.
 
والظاهرة البارزة والمشتركة فى هذا الدور أنَّ الفقه كان يعيش حالة تدوين الروايات وبشكل متناثر لا اكثر، فالاصحاب كانوا يسمعون الأحاديث من المعصومين عليهم‏السلام ويسجّلونها فى مدوّناتهم بشكل غير مبوّب، فكل ما يسمع يسجّل فى أوراق خاصة، فرب حديث يسمع فى باب الطهارة إلى ثان فى باب النكاح إلى ثالث فى باب الديات، والكل يسجّل فى مكان واحد من دون استيعاب للابواب الفقهية ولا تبويب لها بل هى اشبه بالمذكّرات الشخصية الخاصة.
 
ولعل اول مدوَّنة- بعد استثناء ما كتبه اميرالمؤمنين عليه‏السلام المعروف بكتاب على وما شاكله من الجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليهاالسلام مما تقدّمت الاشارة له سابقا- هى مدوَّنة ابى رافع صاحب رسول اللّه صلي‏الله‏عليه‏و‏آله واميرالمؤمنين عليه‏السلام الذى دخل يوما على النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله وهو نائم او يوحى اليه، و رأى حية فى جانب البيت، فكره ان يقتلها خوفا ان يستيقظ صلي‏الله‏عليه‏و‏آله فنام بينه وبينها كى اذا كان منها سوء توجّه اليه دون النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله، ان هذا الرجل على ما ذكر النجاشى له كتاب باسم كتاب السنن والاحكام والقضايا().
 
ولابنه المسمّى بعلى بن ابى رافع الكاتب لاميرالمؤمنين عليه‏السلام كتاب فى فنون من الفقه كالوضوء والصلاة وسائر الابواب.
 
و توالت المدوَّنات الفقهية وبلغت الذروة فى عهد الإمامين الباقر والصادق عليهماالسلام حيث سنحت لهما الفُرصة- بسبب ضعف السلطة الاموية اواخر ايامها و انتقالها إلى السلطة العباسية- ببثِّ الكثير من علومهما و تدوين خيار الصحابة من الشيعة لها فى مذكّراتهم الشخصية.
 
وبلغت تلك المدوّنات حسب عمليّة الاحصاء التى قام بها الحر العاملى (6600) كتاب() الا أنّ الذى اشتهر من بين هذه الكتب (400) كتاب وهى المعروفة بالأصول الأربعمائة التى نتجت منها بعد ذلك الكتب الأربعة للمحمَّدين الثلاثة().
 
يقول ابن حجر عن الإمام الصادق عليه‏السلام: (ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته فى جميع البلدان. وروى عنه الائمة الاكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح و ما لك والسفيانين وابى حنيفة وشعبة وأيّوب السجستاني)().
 
و كان المركز العلمى لمدرسة أهل البيت عليهم‏السلام تلك الفترة هى المدينة المنورة فهى العاصمة لعلومهم و روّادها.
 
و فى هذه الأثناء انتقل الامام الصادق عليه‏السلام إلى الكوفة- المركز العلمى الثانى لمدرسة أهل البيت عليهم‏السلام- أيّام ابى العباس السفاح واستمر فيها فترة سنتين واشتغل عليه‏السلام فى نشر علومه وافكار مدرسته لضعف السلطة آنذاك بسبب انتقالها من الاُمويين إلى العباسيين. وكان منزله عليه‏السلام فى الكوفة فى بنى عبد القيس().
 
ويحدث الحسن بن على الوشاء: (إنّى أدركت فى هذا المسجد- مسجد الكوفة- تسعمائة شيخ كلٌ يقول حدَّثنى جعفر بن محمد عليه‏السلام )().
 
ويحدِّث محمد بن معروف: مضيت إلى الحيرة إلى جعفر بن محمد عليه‏السلام فما كان لى فيه حيلة من كثرة الناس، فلما كان اليوم الرابع رآنى فادنانى وتفرّق الناس عنه ومضى يريد قبر امير المؤمنين عليه‏السلام فتبعته وكنت اسمع كلامه وانا معه امشي.
 
وإلى هذه الفترة يشير الحديث الوارد عن الامام الصادق عليه‏السلام (دخلت على ابى العباس بالحيرة، فقال: يا أبا عبداللّه‏، ما تقول فى الصيام اليوم؟ فقال: ذاك إلى الإمام، إن صُمتَ صُمنا وإن افطرتَ افطرنا...)().
 
و كان كبار اصحاب الإمام عليه‏السلام من الكوفة كأبان بن تغلب الذى روى عنه (000/30) حديثا ومحمد بن مسلم الذى روى (000/40) حديثا.
 
وقد حاول الحافظ ابو العباس بن عقدة الهمدانى الكوفى جمع أسماء من روى عن الإمام الصادق عليه‏السلام فى كتاب فكان عددهم (4000) رجل. وقد نقل من ذلك الكتاب الشيخ الطوسى والنجاشى فى فهرستهما الشيء الكثير.
 
وبعد هذا فليس من الغريب اذا ما سمعنا الذهبى يقول:
 
(فهذا- التشيّع- كثر فى التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو ردّ حديث هؤلاء- أى الشيعة- لذهب جملة الآثار النبويّة)().
 
ونحن حينما ذكرنا أنّ الظاهرة البارزة والمشتركة لهذا الدور، تولد فقه أهل البيت عليهم‏السلام على مستوى تدوين الأحاديث و بشكل متناثر وبدون استيعاب؛ فهذا لايعنى عدم اشتماله على فقهاء كبار يشكّل كلّ واحد منهم فى نفسه بحرا متلاطما كمحمّد بن مسلم و زرارة بن اعين و ابى بصير الذين قال عنهم الإمام الصادق عليه‏السلام: (بشّر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلى و أبابصير ليث البُخترى المرادى و محمد بن مسلم و زرارة أربعة نجباء أمناء اللّه على حلاله و حرامه لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة و اندرست)().
 
بل كانوا بمستويً يرى فيهم الإمام عليه‏السلام الاجتهاد والقدرة على الاستنباط ولذا تارةً امرهم بممارسة ذلك فعلاً حيث قال عليه‏السلام: (إنّما علينا أن نلقى اليكم الأصول وعليكم أن تفرّعوا)().
 
واُخرى يحصل منهم مراجع فى الأحكام كيونس بن عبد الرحمان حيث قيل للامام عليه‏السلام إنّي: (لا اكاد اصل اليك اسألك عن كل ما احتاج اليه من معالم دينى أ فيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما احتاج اليه من معالم دينى فقال: نعم)().
 
وثالثة يأمرهم بالإفتاء كأبان بن تغلب حيث قال له الامام عليه‏السلام: (اجلس فى مسجد المدينة و أفت الناس فإنّى اُحبّ ان يُرى فى شيعتى مثلك)().
 
ويدخل على الامام الصادق عليه‏السلام مرّة فلمّا يبصر به يصافحه ويعانقه ويرحّب به ويأمر له بوسادة. وكان إذا قدم المدينة تتقوض له الخلق وتُخلى له سارية النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله ().
 
اَوَ ليس من المناسب بعد هذا حينما يصل نعيه إلى الامام عليه‏السلام يقول: (واللّه‏ لقد أوجع قلبى موت أبان)().
 
* الدور الثاني:
ويبدأ هذا الدور من بداية الغيبة الصغرى سنه 260 ه و حتى فترة زعامة الشيخ الطوسى المولود سنة 385 هـ والمتوفّى سنة 460 ه.
 
والظاهرة البارزة والمشتركة فى هذا الدور انتقال فقه أهل البيت عليهم‏السلام من كونه مجرد روايات مسجّلة ومن دون تبويب إلى عرضه كمتون فقهية لا تتجاوز حدود ما هو الموجود فى الروايات كمّا و لايتعدّى الفاظها، كما نرى هذا واضحا فى شرايع على بن بابويه التى هى رسالته إلى ولده محمد والتى قيل عنها أنّ الاصحاب كانوا متى ما اعوزتهم النصوص اخذوا بشرايع على بن بابويه.
 
ومن أمثلة ذلك ايضا كتابا (المقنع) و (الهداية) للشيخ الصدوق محمد بن على بن بابويه، وكتاب (النهاية) للشيخ الطوسي.
 
ولا نعدم فى هذه الفترة اعلاما اقتصروا فى عرض الفقه على تدوين الروايات فقط إلا أنَّ عرضهم كان مبوبا وشاملاً لجميع ابواب الفقه، كما نرى ذلك واضحا فى الكافى للشيخ الكلينى ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق.
 
هذا هو الطابع العام فى الدور المذكور ولكن هذا لا يعنى عدم وجود أعلام تجاوزوا نطاق النصوص وتعدّوا عنها محاولين بذلك التمسّك بالإستدلالات العقلية ايضا كما هو الحال بالنسبة إلى العمّانى والاسكافي.
 
واذا اردنا التوضيح اكثر، امكن أن نقول: ان هذا الدور ضَمَّ ثلاث مدارس بارزة:
 
أ- مدرسة (قم) و (الري)؛ وكانت هذه المدرسة تحاول التمسك بالنصوص وعدم التعدى عنها إلى الإستدلالات العقلية. ومن جملة أعلام هذه المدرسة الصدوقان (الاب والابن) وابن قولويه. وكانت هذه المدرسة قوّية ومورد اعتماد الاصحاب حتى أنَّ سفير الناحية المقدسة الشيخ النوبختى الحسين بن روح يرسل كتاب التأديب إلى قم ويكتب إلى جماعة الفقهاء بها: (انظروا ما فى هذا الكتاب وانظروا فيه شيء يخالفكم).()
 
ب- مدرسة العمانى والاسكافي؛ وكانت هذه تحاول التمسك بالاستدلالات الاصولية العقلية حتى أنّه قد ينسب اليها العمل بالقياس والرأي.
 
والعمانى هو الحسن بن على بن ابى عقيل الذى انتهت اليه الزعامة الدينية الشيعية بعد انتهاء فترة الغيبة الصغري.
 
وقيل: إنَّه أوّل من أدخل الإجتهاد بشكله المعروف إلى الأبحاث العلمية واخذ بتحرير الفروع الفقهية وذكر الادلة لها والَّف كتابه المعروف بـ (المستمسك بحبل آل الرسول) الذى قال عنه النجاشي:
 
(كتاب مشهور فى الطائفة. وقيل ما ورد الحاج من خراسان الا طلب واشترى منه نسخا، وسمعت شيخنا أباعبدالله رحمه‏الله يكثر الثناء على هذا الرجل رحمه‏الله ).()
 
ومع الأسف لم يبق لهذا الكتاب يومنا هذا عين ولا اثر.
 
والإسكافى هو محمد بن احمد بن الجنيد الذى انتهت اليه شيخوخة المذهب بعد ابن ابى عقيل والفّ كتابين فقهيّين: احدهما باسم (تهذيب الشيعة لاحكام الشريعة) والاخر باسم (الأحمدى فى الفقه المحمدي). ولا اثر لهذين الكتابين يومنا هذا ايضاً.
 
ج- مدرسة بغداد أو بالأحرى مدرسة الشيخ المفيد و تلاميذه التى حاولت أن تجمع بن الاتّجاهين: التمسك بالنصوص و الإستدلالات العقلية. ولعل السبب فى ذلك يعود إلى تتلمذ الشيخ المفيد على روّاد كلتا المدرستين السابقتين، فهو من تلامذة ابن الجنيد صاحب المدرسة السابقة وجعفر بن محمد بن قولويه الذى هو من قم ومن روّاد مدرستها.
 
وللشيخ المفيد عدّة مؤلفات: منها (المقنعة) التى شرحها الشيخ الطوسى فى كتاب باسم (تهذيب الأحكام).
 
* الدور الثالث:
ويبتدأ هذا الدور من فترة زعامة الشيخ الطوسى وإلى الفترة الحاضرة. والظاهرة البارزة فى هذا الدور تحول الفقه من تدوينه كمتون فقهية موافقة للنصوص فى الفاظها إلى التدوين بلا تقيّد بالفاظها ومع التعدى بذكر تفريعات جديدة لا وجود لها فيها، كل ذلك مع الإستدلال المتكامل بالنصوص والقواعد الأصولية العقلية.
 
و اول ما وصل بايدينا من نتاج هذا الدور كتاب المبسوط للشيخ الطوسى قدس‏سره.
 
و هو فى مقدمة الكتاب قد اشار إلى ذلك و أنَّ المخالفين لازالوا يستخفون بنا و ينسبون لنا قلّة التفريعات و المسائل مدَّعين أنَّ من لايعمل بالقياس و الاجتهاد ليس باستطاعته تكثير المسائل و التفريع على الأصول. ثم أضاف قائلاً: (و كنت من قديم الزمان متشوقا إلى ذلك و لكن يعوقنى قلّة رغبة هذه الطائفة فيه و ترك عنايتهم به، لأنهم الّفوا الاخبار و ما رووه من صريح الألفاظ حتى ان مسألة لو غيّر لفظها و عُبِّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها و قصر فهمهم عنها). ثم قال: (و إنّى كنت قد الَّفت النهاية بالالفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك) انتهى ما افاده قدس‏سره.
 
وهو يدلّ بوضوح على النقلة العظيمة التى قام بها الشيخ من الدور الثانى إلى الثالث.
 
وينبغى ان يكون واضحا انا حينما نعدُّ الفترة المذكورة دورا واحدا فهذا لا يعنى انعدام الظواهر المختلفة فيها، كيف والشيخ بعد أن قام بإعباء هذا التحول وشيَّد اركان مدرسته المباركة فى النجف الأشرف الّتى ارتحل اليها بعد هروبه من بغداد اصاب نهضته العلمية هذا شيء من الركود بعد التحاقه بالرفيق الأعلى بحيث كل من جاء بعده انبهر بعظمته ولم يستطع الوقوف امامه ومناقشة آراءه العلمية، الفترة التى يصفها ابن ادريس ب (فترة المقلدة) ولم يستطع القضاء عليها الا هو، حيث وقف مناقشا لآراء الشيخ العلمية وكسر نطاق الخوف إلا أنَّ هذا لا يعنى حصول تغيّر فى جوهر الدور الذى قام به الشيخ بل إنَّ الطريقة التى قام بها فى مبسوطه باقية إلى يومنا هذا وإن حصلت بعض التغيرات الجانبية.
 
ولا تفوتنا الإشارة إلى ظاهرة الإجماع، فإنَّ الإجماع كدليل إلى جانب بقيَّة الأدّلة برز لدى غير الشيعة بعد وفاة النبى صلي‏الله‏عليه‏و‏آله دعما لبعض المواقف التى حصلت فى تلك الفترة وبقى مختصا بهم إلى فترة الشيخ الطوسى واستاذه المرتضى حيث برز لدى الشيعة كدليل يتمسك به واخذوا يستدلّون على حجيته بطريقة اللطف او غيرها حتى انتهت النوبة إلى المحقق التستري، فألّف كتابا خاصا بذلك باسم كشف القناع عن وجوه حجية الإجماع.
 
وبقى الإجماع دليلاً يتمسّك به فيما بعد فى كلمات المحقق والعلاّمة والشهيدين ولم يكتف وحده بالبروز فى ميدان الإستدلال حتى انضمّت اليه الشهرة الفتوائية، فكثيرا ما يستدلّ بالإجماع المنقول والشهرة المحققة. الا انه فى الآونة الأخيرة لم تبق قيمة معتدٌّ بها لهذين الدليلين وعوّض عنهما بالإرتكاز وسيرة المتشرعة وسيرة العقلاء او ان المسألة ابتلائيَّة، فلو كان فيها حكم اخر لاشتهر وذاع وما شاكل ذلك.
 
ولا يفوتنا ان نسجّل لمثل المحقق الحلى ما قام به من خدمة جليلة فى تأليف كتابه المشهور ب (شرايع الاسلام) حيث قسم ابواب الفقه إلى تقسيم رباعى معروف استمرّت روحه إلى وقتنا الحاضر. كما وان المنهجة التى قام بها فى كتابه عند بحثه لكلّ باب والإشارة إلى الاقسام بالأرقام وتشقيق كل قسم إلى شقوق أخرى بارقام اخرى مضبوطة كل ذلك فضل لا يُنسي.
 
وهكذا ما قام به العلاّمة من ادخال الرياضيات فى علم الفقه او اجراء ابحاث فقهية مقارنة بين المذاهب جهود مشكورة وثمينة وليس من الانصاف تناسيها.
 
أجل الذى أراه- إن لم أكن مخطئا- إنَّ كثيرا من وجوه الإستدلال التى كان يتمسّك بها مثل الشيخ وصاحب السرائر والعلامة و... اصبحت يومنا هذا أشبه بالاستحسانات منها بالأدلة العلمية ونظرة سريعة على فقه القدماء توضّح بشكل جلى ما نقول.
 
ولا ننسى أن نشير ايضاً إلى أنَّ الابحاث السندية والتدقيق من الزاوية المذكورة ظلَّ مهملاً فى كلمات القدماء بل و إلى يومنا المعاصر تقريبا، فهذا مكاسب الشيخ الأعظم مثلاً لا نجد مثل ذلك فيه.
 
والنتيجة التى يمكن ان ننتهى اليها ان روح الدور الثالث بقيت على ما هى عليها إلى يومنا المعاصر. ولئن حصل هناك تطوّر، فهو فى مسائل جانبية من قبيل:
أ- منهجة الأبحاث بشكل اكثر فنية.
ب- التعرّض إلى فروع اكثر واوسع تبعا للمرحلة الزمنيّة.
ح- التعويض بأشكال من الإستدلال اكثر متانة وقوة.
د- محاولة ربط المسائل الفقهية بالمسائل الاصولية بدرجة اكبر.
هـ- محاولة الاهتمام بالأبحاث السندية بدرجة اقوي.
و- اهمال بعض التفريعات القديمة لفقدان الحاجة اليها و التعويض عنها بتفريعات جديدة، تبعا للحاجة الزمنية.
 
منهجة الأبواب الفقهية
قسَّم المحقق الحلى فى شرائعه الأبواب الفقهية إلى أربعة أقسام: عبادات وعقود وإيقاعات وأحكام.
 
ووجه ذلك على ما ذكره الشهيد الأول: ان الغاية من الحكم إذا كانت مرتبطة بالآخرة فذاك مورد العبادات.
 
وان كانت مرتبطة بالدنيا فتارة يحتاج تحققها إلى إيجاب وقبول، وأخرى إلى إيجاب فقط، وثالثة لا يحتاج إلى شيء من ذلك.
 
والأول مورد العقود، والثانى مورد الإيقاعات، والثالث مورد الأحكام().
 
وهو ان كان بحاجة إلى إصلاح ليبرز دور التشريع الاسلامى فى مجالاته بشكل أكثر فنية إلا انّا نترك ذلك إلى مستوى أعلى من البحث ونسير فى عرضنا للأبواب الفقهية على ضوء التقسيم المتوارث.
 
نسأل الله سبحانه ان يوفقنا لخدمة دينه الحنيف وان يهدينا إلى تطوير الفقه الاسلامى بالشكل المناسب إنَّه خير سميع ومجيب.
 



الرد السريع
اسمك :
التحقق من الصورة: رجاءً ادخل الخمسة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.
icon (استبدال الصورة)





الكلمات الدلالية
تَطوَّر ، البيت ، عليهم ، ‏السلام ،


 







الساعة الآن 03:38 مساء